العلامة المجلسي

417

بحار الأنوار

قال ابن الملك : فما يرضي الواحد الخالق من الأعمال ؟ قال الحكيم : يا ابن الملك أن تطيعه ولا تعصيه ، وأن تأتي إلى غيرك ما تحب أن يؤتى إليك ، وتكف عن غيرك ما تحب أن يكف عنك في مثله ، فإن ذلك عدل وفي العدل رضاه ، وفي اتباع آثار أنبياء الله ورسله بأن لا تعدو سنتهم . قال ابن الملك : زدني أيها الحكيم تزهيدا في الدنيا وأخبرني بحالها . قال الحكيم : إني لما رأيت الدنيا دار تصرف وزوال وتقلب من حال إلى حال ، ورأيت أهلها فيها أغراضا للمصائب ، ورهائن للمتالف ، ورأيت صحة بعدها سقما ، وشبابا بعده هرما ، وغنى بعده فقرا ، وفرحا بعده حزنا ، وعزا بعده ذلا ، ورخاء بعده شدة ، وأمنا بعده خوفا ، وحياة بعدها ممات ، ورأيت أعمارا قصيرة ، وحتوفا راصدة ( 1 ) وسهاما قاصدة ، وأبدانا ضعيفة مستسلمة ، غير ممتنعة ولا حصينة ، عرفت أن الدنيا منقطعة بالية فانية ، وعرفت بما ظهر لي منها ما غاب عني منها ، وعرفت بظاهرها باطنها ، وغامضها بواضحها ، وسرها بعلانيتها ، وصدورها بورودها ، فحذرتها لما عرفتها ، وفررت منها لما أبصرتها ، بينا ترى المرء فيها مغتبطا محبورا ( 2 ) وملكا مسرورا ( 3 ) في خفض ودعة ونعمة وسعة في بهجة من شبابة ، وحداثة من سنه ، وغبطة من ملكه ، وبهاء من سلطانه ، وصحة من بدنه إذا انقلبت الدنيا به أسر ما كان فيها نفسا ، وأقر ما كان فيها عينا ، فأخرجته من ملكها وغبطتها وخفضها ودعتها وبهجتها ، فأبدلته بالعز ذلا وبالفرح ترحا ، وبالسرور حزنا ، وبالنعمة بؤسا ، وبالغني فقرا ، وبالسعة ضيقا ، وبالشباب هرما ، وبالشرف ضعة ، وبالحياة موتا ، فدلته في حفرة ضيقة شديدة الوحشة ، وحيدا فريدا غريبا ، قد فارق الأحبة وفارقوه ، خذله إخوانه فلم يجد عندهم دفعا ، وصار عزه وملكه وأهله وماله نهبة من بعده ، كأن لم يكن في الدنيا ولم يذكر فيها ساعة قط ولم

--> ( 1 ) الحتف الموت من غير قتل والجمع حتوف . والراصد : المراقب . ( 2 ) أي مسرورا والحبر - بفتح الحاء وكسرها - السرور والجمع حبور وأحبار . ( 3 ) في بعض النسخ " مشعوفا " .